ابن كثير

119

البداية والنهاية

يعجبون منه وينظرون إليه . وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن ، فافزع ذلك أشراف قريش من المشركين ، فأرسلوا إلى ابن الدغنة ، فقدم عليهم . فقالوا [ له ] : إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره ، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره ، فأعلن في الصلاة والقراءة فيه ، وأنا قد خشينا أن يفتتن أبناؤنا ونساؤنا فإنه فإن أحب على أن يقتصر أن يعبد ربه في داره فعل ، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك فسله أن يرد عليك ذمتك ، فإنا قد كرهنا [ أن ] نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان . قالت عائشة : فاتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال : قد علمت الذي قد عاقدت عليه قريش فإما أن تقتصر على ذلك ، وأما أن ترد إلي ذمتي ، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له . فقال أبو بكر : فإني أرد عليك جوارك وأرضى بجواز الله عز وجل . ثم ذكر تمام الحديث في هجرة أبي بكر رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي مبسوطا . قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال : لقيه - يعني أبا بكر الصديق حين خرج من جوار ابن الدغنة - سفيه من سفهاء قريش وهو عامد إلى الكعبة فحثا على رأسه ترابا ، فمر بأبي بكر الوليد بن المغيرة - أو العاص بن وائل - فقال له أبو بكر رضي الله عنه : ألا ترى ما يصنع هذا السفيه ؟ فقال : أنت فعلت ذلك بنفسك . [ قال ] ( 1 ) وهو يقول أي رب ما أحلمك . أي رب ما أحلمك ، أي رب ما أحلمك . فصل كل هذه القصص ذكرها ابن إسحاق معترضا بها بين تعاقد قريش على بني هاشم وبني المطلب وكتابتهم عليهم الصحيفة الظالمة وحصرهم إياهم في الشعب ، وبين نقض الصحيفة وما كان من أمرها وهي أمور مناسبة لهذا الوقت ، ولهذا قال الشافعي رحمه الله : من أراد المغازي فهو عيال على ابن إسحاق . نقض الصحيفة قال ابن إسحاق : هذا وبنو هاشم ، وبنو المطلب في منزلهم الذي تعاقدت فيه قريش عليهم في الصحيفة التي كتبوها ، ثم إنه قام في نقض [ تلك ] الصحيفة نفر من قريش ، ولم يبل فيها أحد أحسن من بلاء هشام بن عمرو بن [ ربيعة بن ] الحارث بن حبيب بن نصر [ بن جذيمة ] بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي ، وذلك أنه كان ابن أخي نضلة بن هاشم ( 2 ) بن .

--> ( 1 ) من ابن هشام ، والخبر في السيرة ج 2 / 13 . ( 2 ) من سيرة ابن هشام ، وفي الأصل هشام وهو تحريف